ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
174
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وقد ورد الاعتراض في القرآن كثيرا ، وذلك في كل موضع يتعلق بنوع من خصوصية المبالغة في المعنى المقصود . ومن هذا القسم قوله تعالى : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون فهذا الاعتراض بين إذا وجوابها ؛ لأن تقدير الكلام وإذا بدّلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر ، فاعترض بينهما بقوله تعالى : والله أعلم بما ينزل وهو مبتدأ وخبر ، وفائدته إعلام القائلين إنه مفتر أن ذلك من اللّه وليس منه ، وأنه أعلم بذلك منهم . ومن هذا الباب قوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي قد طبق مفصل البلاغة ، وفائدته أنه لما وصّى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق في حمل الولد وفصاله ؛ إيجابا للتوصية بها ، وتذكيرا بحقها ، وإنما خصّها بالذكر دون الأب لأنها تتكلّف من أمر الولد ما لا يتكلفه ، ومن ثم قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمن قال له : من أبرّ ؟ فقال : « أمّك ثمّ أمّك ثمّ أمّك ثمّ أباك » . ومما جاء على هذا الأسلوب قوله عزّ وجلّ : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون . فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون فقوله : والله مخرج ما كنتم تكتمون اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه ، وفائدته أن يقرر في نفوس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه ؛ لأن اللّه تعالى مظهر لذلك ، ولو جاء الكلام غير معترض فيه لكان : وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها ، ولا يخفى على البليغ الفرق بين ذلك وبين كونه معترضا فيه . ومما ورد من ذلك شعرا قول امرئ القيس « 1 » :
--> ( 1 ) من قصيدة له طويلة أولها قوله : ألا عم صباحا أيّها الطلل البالي * وهل يعمن من كان في العصر الخالي وقد تقدم بيت منها قريبا ، انظر ( س 18 ص 169 من هذا الجزء ) .